لعبة الكاسر
ربما لأنني أتميز بشخصية جادة نوعا ما ، ولأنني أصدق غالبا ما يقارب الحقيقة بالنسبة لي! لذا وبعد ثمانية عشر شهرا كانت عمر المرحلة الانتقالية الماضية التي بدأت باحصاء إداري ذي طابع انتخابي، تلته أيام تشاورية وتعديلات دستورية هامة تخدم البنية السياسية للبلد ومهدت الطريق لإنتخابات حرة وشفافة أوصلت أحد المرشحين إلي السلطة حسب التصويت له في صناديق الاقتراع عندها توهمت أن ولد محمد فال ورفاقه كان لهم الحق في الغدر بولي نعمتهم واسقاط نظام السلم والأمان نظام ولد الطايع، إلا أنني بعد برهة استيقنت أنني كنت في حلم مستحيل وأن لا مجال للآمال أوالطموح بموريتانيا الديمقراطية وأن الحداثة في السن قد تغيب عن الشخص الكثير من الملاحظات المهمة وتفوت عليه فهم بعض الأمور ووضعها في سياقها الصحيح.
أما اليوم فقد بدى واضحا للعيان منذ السادس أغسطس الماضي أن الجيش قد آلى على نفسه أن لا يترك للشعب الحرية في اتخاذ قراراته المصيرية وأن وصايته دائمة وسيضرب بسوط من حديد على كل من طالب بالديمقراطية السلمية أو حتى بالتناوب الشرعي على السلطة بل سيكون بالمرصاد لكل من سولت له نفسه التظاهر أو التنديد ضد أطروحاته الغاشمة. وقد عمد العسكر منذ اليوم الأول على سياسة "فرق تسد"، وأقاموا الدنيا وأستعانوا بجميع الوسائل مادية كانت أو اجتماعية أو معنوية من أجل تفكيك أحد أهم أحزاب المعارضة وأكثرها تمثيلا في البرلمان وقد أصابوا مبتغاهم في ذلك حيث أصبح اليوم كالعلبة الفارغة تغمره الخناقات الداخلية التي وإن كان أعضاء الحزب يفضلون دائما التكتم عليها إلا أن حساسيتها جعلتها تطفوا فوق السطح من خلال تناقضات مسؤوله الأول. أما الضحية الثاني فهو البرلمان الموريتاني الذي تخلى عن قيمه ومبادئه وتناسى مسؤولياته كمممثل للضشعب وأنساق خلف رغبات المجلس ضنا من النواب أن ذلك قد يجدي نفعا إلا أنهم اليوم قد دخلوا في أزمة قد يصعب حلها بعد أن إستتب وباء التفرقة العسكري بينهم، أما عن الشعب المسكين فإن اللعب على عقولهم قد بدأ منذ فترة، وما انقلاب السادس أغسطس إلا حلقة جديدة من سيناريو وإخراج مختلف عن الأول. فقد أغراه بمشاريع قد تمت دراستها من قبل ولا جديد فيها إلا التنفيذ الذي قد تكون يا حضرة الجنرال أنت من عرقله سابقا بتدخلاتك اللامشروعة. أما عن الهاجس المخيف بالنسبة للجنرال وزمرته المتمصلحين وهو الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية التي أثبتت للعالم والشعب الموريتاني أنها صلبة أمام جميع محاولات تفكيكها وزعزعتها والنيل منها، وتأكد الجنرال أنها لا تمثل أقلية بل تمثل فكرا وقناعة وتشبثا بالمبادئ الوطنية، تمثل مصدر النخوة والدفاع عن الشرعية في المجتمع الموريتاني مطالبة بعودة السلطة الدستورية ولو لبرهة من الزمان، فهل ياترى سيواصل الكاسر لعبته الهمجية ولا يتوانا في البحث عن مصالحه الشخصية على حساب مصالح الشعب المسكين، أم أنه سيأتي اليوم الذي يرجع فيه إلي رشده وينسحب من اللعبة كالشعرة من العجين، ويترك للمواطنين حق تقرير المصير؟